أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

385

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

الثاني : أن « لا » الأولى قدمت على القسم اهتماما بالنفي ثم كررت توكيدا وكان يصح إسقاط الأولى ويبقى « معنى » النفي ولكن تفوت الدلالة على الاهتمام المذكور وكان يصح إسقاط الثانية ويبقى معنى الاهتمام ولكن تفوت الدلالة على النفي فجمع بينهما لذلك . الثالث : أن الثانية زائدة والقسم معترض بين حرف النفي والمنفي وكأن التقدير : فلا يؤمنون وربك . الرابع : أن الأولى زائدة والثانية غير زائدة وهو اختيار الزمخشري فإنه قال : « لا » مزيدة لتأكيد معنى القسم كما زيدت في « لئلا يعلم » « 1 » لتأكيد وجوب العلم و « لا يُؤْمِنُونَ » جواب القسم فإن قلت : هلا زعمت أنها زيدت لتظاهر « لا » في « لا يُؤْمِنُونَ » قلت : يأبى ذلك استواء النفي والإثبات فيه وذلك قوله : فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ وَما لا تُبْصِرُونَ : إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ « 2 » يعني أنه قد جاءت « لا » قبل القسم حيث لم تكن « لا » موجودة في الجواب فالزمخشري يرى أن « لا » في قوله تعالى : « فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ » أنها زائدة أيضا لتأكيد معنى القسم وهو أحد القولين والقول الآخر كقول الطبري المتقدم ومثل الآية في التخاريج المذكورة قول الآخر : 1609 - فلا واللّه لا يلقى لما بي * ولا للما بهم أبدا دواء « 3 » قوله : حَتَّى يُحَكِّمُوكَ : « حَتَّى » غاية متعلقة بقوله « لا يُؤْمِنُونَ » أي : ينتفي عنهم الإيمان إلى هذه الغاية وهي تحكيمك وعدم وجدانهم الحرج وتسليمهم لأمرك والتفت في قوله ربك من الغيبة في قوله : وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ رجوعا إلى قوله ثم جاءوك وقرأ أبو السمال : شجر بسكون الجيم هربا من توالي الحركات وهي ضعيفة لأن الفتح أخو السكون و « بَيْنَهُمْ » ظرف منصوب ب « هجر » هذا هو الصحيح وأجاز أبو البقاء فيه أن يكون حالا وجعل في صاحب هذه الحال احتمالين : أحدهما : أن يكون حالا من ما الموصولة . والثاني : أنه حال من فاعل « شَجَرَ » وهو نفس الموصول أيضا في المعنى فعلى هذا يتعلق بمحذوف و « ثُمَّ لا » عطف على ما بعد « حَتَّى » و « يَجِدُوا » يحتمل أن تكون المتعدية لاثنين فيكون الأول « حَرَجاً » والثاني الجار قبله فيتعلق بمحذوف وأن تكون المتعدية لواحد فيجوز في « فِي أَنْفُسِهِمْ » وجهان : أحدهما : أنه متعلق ب « يَجِدُوا » تعلق الفضلات . والثاني : أن يتعلق بمحذوف على أنه حالّ من « حَرَجاً » لأن صفة النكرة لما قدمت عليها انتصبت حالا . و « مِمَّا قَضَيْتَ » فيه وجهان : أحدهما : أنه متعلق بنفس « حَرَجاً » لأنك تقول : « خرجت من كذا » . والثاني : أنه متعلق بمحذوف فهو في محل نصب لأنه صفة ل « حَرَجاً » و « ما » يجوز أن تكون مصدرية وأن

--> ( 1 ) سورة الحديد ، الآية ( 29 ) . ( 2 ) سورة الحاقة ، الآية ( 38 ) . ( 3 ) تقدم .